تأثير الدبلوماسية الموازية  في الإعلام الغربي

تأثير الدبلوماسية الموازية لدول عربية في الإعلام الغربي

ترصد الدراسة الجهد الاتصالي السياسي/الدعائي لدول عربية تُوظِّف وكالات العلاقات العامة وأدوات الدبلوماسية الموازية للنفوذ إلى الإعلام الغربي والتأثير في الرأي العام وصنَّاع القرار من أجل الترويج لأجندتها السياسية وتشويه خصومها السياسيين أفرادًا وجماعات ودولا.

تُوظِّف الدول قنوات خلفية موازية لقنوات الدبلوماسية التقليدية، للضغط على صنَّاع القرار وقادة الرأي في دول أخرى، من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، أو دَرْء مخاطر قد تَضُرُّ بمصالحها. وغالبًا ما تُدار هذه القنوات الخلفية عبر “جماعات الضغط” أو “جماعات المصالح”، غير أن المصطلح الأكثر استخدامًا للدلالة على هذه الجماعات هو “اللوبي” (Lobby)، ويعني باللغة العربية “الرَّدهة أو الرُّواق”. وقد أُطْلِق هذا المصطلح على مُمَثِّلي جماعات الضغط، الذين غالبًا ما يتجوَّلون في ردهات المؤسسات الحكومية والتشريعية؛ حيث يلتقون صنَّاع القرار ويحاولون التأثير عليهم. وتُعدُّ العلاقات العامة من أهم النشاطات الاتصالية التي تُوظِّفها جماعات الضغط للتأثير في الأفراد والمجتمعات والدول، وإحداث تغييرات في أفكارهم ومعتقداتهم ومواقفهم وسلوكهم عبر نشر معلومات وحقائق أو أنصاف حقائق أو حتى أكاذيب.

وتستخدم الدول أدوات الضغط السياسي والعلاقات العامة، أو ما يُسمِّيه الباحث بـ”الدبلوماسية الموازية”، للتأثير على سياسات الدول الأخرى، ولتسهيل مصالحها الخارجية، وتحسين صورتها، وتشويه سمعة خصومها، وهو ما تجلَّى بشكل واضح خلال سنوات الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي سابقًا. ويقول بيتر فيليبس: إن الحكومات الأميركية المتعاقبة استخدمت وكالات العلاقات العامة والدعاية السياسية في العقود الأخيرة بشكل أساسي لتغيير أنظمة سياسية أو تبرير تدخلات عسكرية خارج الحدود، كما وقع في الثمانينات من القرن الماضي عندما وظَّفت الإدارة الأميركية فعاليات العلاقات العامة وحملات الدعاية السياسية للإطاحة برئيس بنما، مانويل نورييغا، وكما عملت مجموعة ريندون (Rendon Group) لحشد التأييد العالمي لحرب الخليج الأولى التي عُرفت بـ”عاصفة الصحراء” لتحرير الكويت بعد الغزو العراقي، في 2 أغسطس/آب 1990. وقد قامت المجموعة بتعبئة الرأي العام وراء ما سُمِّي منذ ذلك الحين بـ”الحرب على الإرهاب”، باستخدام أساليب دعائية بما في ذلك فَبْرَكَة القصص الإخبارية حول تدمير تمثال صدام حسين في بغداد، وتَمْجِيد بطولة الجيش الأميركي من خلال قصة إنقاذ المجنَّدة، جيسكا لينش، وصولًا إلى فَبْرَكَة المعلومات حول امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل(1).

ولا تقف الدول العربية استثناءً في توظيف الضغط السياسي والعلاقات العامة للتأثير على سياسات الدول الأخرى، لاسيما منها الدول العظمى، لتسهيل مصالحها الخارجية وتحسين صورتها وتشويه سمعة خصومها، وهو ما تجلَّى بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة؛ حيث سعت المملكة العربية السعودية، مثلًا، إلى تحسين صورتها في الولايات المتحدة الأميركية، والغرب عمومًا، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001؛ حيث أشارت المعلومات إلى تورط سعوديين بشكل مباشر في الهجمات الإرهابية. وفي المقابل، وظَّفت الإمارات العربية المتحدة، مثلًا، شركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث لتشويه سمعة دولة قطر وصورتها في العالم قبلَ، وخلالَ الأزمة التي تفجرت بين الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، من جهة، وقطر من جهة ثانية، في مايو/أيار 2017.

وطالما طرحت قنوات “الدبلوماسية الرديفة”، لاسيما العلاقات العامة، مخاوف في الأوساط الغربية، أولًا: بسبب الضغط الذي تمارسه بأساليب مختلفة على صنَّاع القرار، والمؤسسات المُنتخبة، ثم التضليل الذي تمارسه على الرأي العام بسبب التلاعب بأجندات وسائل الإعلام، ومدها بمعلومات مُضَلِّلَة. وهذا بدوره وسَّع مجال الريبة في الدوائر الغربية إلى حدود التساؤل حول أخلاقيات العلاقات العامة، التي غالبًا ما تستخدم القنوات الخلفية للتأثير في سياسات الدول، الصديقة والعدوة منها على حدٍّ سواء، وتُغَلِّب في معظم الأحيان مصالح “مُوَكِّلِيها” على المصالح العامة، أو المصالح القومية لبلدانها.

وتحاول هذه الدراسة سبر جوانب من العلاقة المعقدة بين بعض الدول العربية وجماعات الضغط في الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، للتأثير على قادة الرأي والصحف ومراكز صناعة القرار، ودور هذا الجهد الاتصالي السياسي/الدعائي في توجيه السياسات الخارجية ذات الصلة بالصراعات والأزمات السياسية الدائرة في المنطقة العربية. كما تسعى الدراسة إلى إلقاء الضوء على كبريات وكالات العلاقات العامة العالمية، وأبرز مراكز الأبحاث الدولية التي تستخدمها الدول العربية في حملات الضغط السياسي، وتُوظِّفها بالتمويل، للضغط على الرأي العام وصنَّاع القرار في الدول الغربية، إما تلميعًا لصورتها، أو تشويهًا لسمعة الخصوم (الأفراد والمؤسسات والدول) وشَيْطَنَتَهم.

واعتمدت الدراسة منهجية بدأت أولًا بتقديم نظري لما يُعرف بـ”الدبلوماسية الموازية” التي تساند الدبلوماسية التقليدية. فبينما تعتمد الأولى على شبكة علاقات متداخلة بين شركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث وجماعات الضغط ووسائل الإعلام، تعتمد الثانية بشكل أساسي على الهيئات الدبلوماسية الرسمية. ثم تنحو الدراسة إلى التعريف بطبيعة نشاط الدبلوماسية الرديفة وأدوات عملها التي تتداخل فيها أشكال متعددة من الإعلام والدعاية السياسية والعلاقات الإعلامية والعلاقات العامة. ثم تعرض الدراسة نماذج للعلاقات المعقدة بين دول عربية وشركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث التي تُمَثِّل مصالح هذه الدول بشكل موارب (دراسة حالة الإمارات)، بينما تظل سفارات الدول ودبلوماسيوها في الظل، أو في المقعد الخلفي.

1- الدبلوماسية الموازية

تنبَّه الكثير من الدول والأنظمة السياسية منذ وقت مُبَكِّر إلى أهمية دور العلاقات العامة، كواجهة للضغط والتأثير في صناعة القرار في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، لاسيما أن أساليب وأدوات العلاقات العامة، قد تنجح، عبر قنوات خلفية، في إنجاز ما لا تقدر عليه، أو تفشل في فعله، السفارات عبر قنوات العمل الدبلوماسي التقليدية. وتمارس الدول تأثيرها في الرأي العام وصنَّاع القرار بالدول الأخرى عبر أشكال اتصالية عدة، أبرزها وأهمها: الدبلوماسية العامة، والعلاقات العامة، وجماعات الضغط المعروفة بـ”لوبي”.

أ- الدبلوماسية العامة

تختلف الدبلوماسية العامة عن الدبلوماسية التقليدية التي تُعرِّفها المراجع والدراسات بـ”التطبيق العملي للسياسات الخارجية” من خلال التواصل السياسي بين حكومات الدول المختلفة. وتُمَارَس الدبلوماسية التقليدية من قِبَل موظفين رسميين خلف أبواب مغلقة، في حين أن الدبلوماسية العامة تُمَارَس في جانبها الأوسع من قِبَل هيئات وتشكيلات غير رسمية. ويصف رويس آمون الدبلوماسية التقليدية بـ”الدبلوماسية القديمة” التي انتهت مع الحرب العالمية الأولى. بالمقابل، يرجع تاريخ ممارسة الدبلوماسية العامة إلى حدود النصف الثاني من القرن العشرين(2).

وفي منتصف الستينات من القرن الماضي اكتسب المفهوم معنى جديدًا، عندما استخدم إدموند غوليون، عميد مدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية، مفهوم الدبلوماسية العامة ليصف تأثير الجمهور في اتجاهات السياسات الخارجية وأدائها. وفي العام 1965، وصف غوليون الدبلوماسية العامة بـ”دور الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام في الشؤون الدولية، وتوجيه الحكومات للرأي العام في بلد ما من خلال تفاعل جهود جماعات غير حكومية وجماعات مصالح خاصة، وتأثير تلك العملية على سلوك البلد المستهدف وسياساته الخارجية”(3).

وحسب غوليون، فإن الدبلوماسية العامة تشمل أبعادًا في العلاقات الدولية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. ومن هذه الأبعاد: قدرة الحكومات على التأثير في الرأي العام الخارجي (الأجنبي)، وإمكانية تفاعل جماعات خاصة ومصالحها في بلد ما مع نظيراتها في بلد آخر، وتأثير التقارير الخاصة بالشؤون الخارجية على السياسات، والتواصل بين الدبلوماسيين والمراسلين الأجانب وما ينتج عنه من تواصل متبادل يؤدي إلى تبادل الثقافات. وهكذا ارتبطت ممارسة الدبلوماسية العامة بوسائل وأدوات التأثير على مواقف الرأي العام، ودورها في توجهات السياسة الخارجية(4).

ويرى جوزيف س. ناي، مساعد وزير دفاع الولايات المتحدة الأسبق، والأستاذ بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب “قوى الزعامة” أن “الدبلوماسية العامة تُشكِّل أداة مهمة في ترسانة القوة الذكية، ولكن الدبلوماسية العامة الذكية تتطلب فهمًا سليمًا للمصداقية والنقد الذاتي ودور المجتمع المدني في توليد القوة الناعمة. وإذا ما تحوَّلت الدبلوماسية العامة إلى الدعاية، فإنها لن تفشل في الإقناع فحسب، بل قد تُقَوِّض القوة الناعمة أيضًا. لذا، فإن الدبلوماسية العامة لابد أن تظل قائمة على عملية ذات اتجاهين، وذلك لأن القوة الناعمة تعتمد في المقام الأول على فهم عقول الآخرين واستيعاب مفاهيمهم”(5).

ويؤكد فان هام أن العنصر الأساسي في الدبلوماسية العامة هو أنها “أداة لبناء علاقات شخصية ومؤسساتية، وللتواصل مع الجمهور الخارجي عبر التركيز على القيم، وتنظم أنشطتها بعيدًا عن الدبلوماسية التقليدية(6). وتشمل الدبلوماسية العامة الكثير من الأنشطة اليومية (عرض الأفلام، والمسرحيات، والندوات) والبرامج الخاصة (تبادل البعثات الدراسية، المنتديات، المؤتمرات الاقتصادية، اللقاءات الأكاديمية). ويسمح التركيز على الدبلوماسية العامة للدول الصغيرة والمتوسطة الحجم، مع محدودية موارد القوة “الخشنة” أو “الصلبة”، بممارسة دور أكبر على الساحة الدبلوماسية، عبر الانخراط في برامج ذات صلة بالمجتمع المدني العالمي(7).

ب- العلاقات العامة

يُعرِّف دنيس ويلكوكس وغلين كاميرون العلاقات العامة بأنها “عملية تتكوَّن من سلسلة من الأنشطة والتغيرات والأعمال التي تؤدي إلى نتائج”. ويرى المؤلِّفون أن أفضل طريقة لوصف التعريف هي ما جاء في معادلة جون مارستون الشهيرة في تعريف خطوات العلاقات العامة، وقد لاقت هذه المعادلة قبولًا واسعًا لدى كثير من المهتمين والدارسين، جمعها في كلمة (RACE ويشير الحرف الأول (Rإلى (Research)، أي التعرف إلى المشكلة من خلال البحث، والحرف الثاني (Aويرمز إلى (Actionأي ما يجب فعله تجاه المشكلة، والحرف الثالث (C)ويرمز إلى (Communication)، أي ما يجب فعله لإعلام الجمهور، والحرف الأخير (Eويشير إلى (Evaluation) ويعني التأكد من الوصول إلى الجماهير، ومدى تأثيره في تغير اتجاهاتهم أو ثباتها (8). وبهذا المعنى، حدَّدت الجمعية الأميركية للعلاقات العامة وظائف أساسية لمهنة العلاقات العامة، منها:  

  1. كتابة التقارير، والبيانات الصحفية، والكتيبات، ونصوص برامج الراديو والتليفزيون، والخطب وحوار الأفلام، ومقالات المجلات، والصحف التجارية، وإنتاج المواد الإعلامية والفنية.
  2. تحرير النشرات العمالية، والصحفية، وتقارير المساهمين، وسائر المخاطبات الموجَّهة من الإدارة إلى كل أفراد المؤسسة والجماهير الخارجية.
  3. الاتصال بالصحافة والراديو والتليفزيون، وكذلك المجلات والملاحق الأسبوعية ومحرري الأقسام التجارية لإثارة اهتمامهم لنشر الأخبار والموضوعات التي تتعلق بالمؤسسة.
  4. تحسين صورة المؤسسة من خلال الفعاليات الخاصة كالحفلات التي تقام لرجال الصحافة، والمعارض وتنظيم الزيارات، وتقديم التسهيلات، وإقامة الاحتفالات في المناسبات العامة أو الخاصة، وتنظيم المسابقات، ورعاية العلاقات مع الضيوف، وتقديم الهدايا التذكارية، وإنتاج أفلام عن المؤسسة بالإضافة إلى غيرها من الوسائل البصرية الأخرى كالشرائح وأشرطة الفيديو.
  5. مواجهة الجماعات المختلفة والتحدث إليها من خلال لقاءات طبيعية، وإعداد خطب للغير، وتخصيص متحدث باسم المؤسسة، وتقديم المتحدثين في الحفلات والاجتماعات العامة.
  6. إنتاج النشرات، والكتيبات، والتقارير الخاصة، ومواد الاتصال المصورة ودوريات المؤسسة، وإخراجها على نحو فني يتفق مع الذوق العام.
  7. تحديد الاحتياجات والأهداف والخطوات اللازمة لتنفيذ المشروع، وهذا يحتاج إلى خبرة عالية في العلاقات العامة، ومقدرة خاصة في توجيه النصح والمشورة لرجال الإدارة(9).

وترتبط العلاقات العامة بشكل وثيق مع الإعلام ووسائله المعروفة التي تُشكِّل منصات لِطَيْفٍ واسع من فعاليات العلاقات العامة، علمًا بأن العلاقات العامة غالبًا ما تميل إلى وسائل التواصل المباشرة/أو الشخصية للتأثير في الجمهور بشكل أفضل، ولتجنب أي غموض أو تشويش في رسائلها.

ج‌- جماعات الضغط

تشير الأدبيات المُتخصصة في موضوعات جماعات الضغط والعلاقات العامة إلى أن هذا النوع من النشاط السياسي ظهر مع تَشَكُّل جماعات الضغط حول المؤسسات السياسية البريطانية في “ويستمنستر”؛ حيث مقر الحكومة والبرلمان والوزارات السيادية وسط العاصمة، لندن، أو حول المؤسسات السياسية والتشريعية الأميركية في واشنطن(10). وقد تطور “الضغط” في القرن التاسع عشر حتى صار “مهنة” أو “حرفة” معترفًا بها في دوائر صنع القرار في واشنطن، يتولَّى العاملون بها عددًا من المهام كتنظيم برامج استقبال واستضافة وترفيه لأعضاء مجلس الشيوخ، وتقديم المعلومات والمعلومات المضادة لهم وللنواب بخصوص القضايا العامة المطروحة عليهم، وكتابة الخطابات العامة للشخصيات السياسية، وفتح قنوات الاتصال بين أصحاب المصالح وصناع القرار، وتقديم التدريب في مجال العلاقات العامة والعلاقات الإعلامية للشخصيات العامة. وازدهرت صناعة “حملات التحشيد والضغط” في القرن العشرين، وأصبح أنموذج جماعات الضغط حاضرًا في كل المجتمعات الديمقراطية، لاسيما المجتمعات الغربية، وعلى وجه الخصوص في العواصم العالمية المركزية، مثل: واشنطن ولندن وبروكسل؛ حيث المقر الرئيسي للاتحاد الأوروبي. كما تطور أداء مجموعات الضغط بسرعة، خلال العقود الأخيرة، بفضل ظهور وسائل الإعلام الجماهيري التي أصبحت في صميم “صناعة الضغط” حتى اليوم(11).

ويُعرِّفُ رجل العلاقات العامة البريطاني، ليونيل زيتر، مصطلحَ اللوبي بـ”حملة ضغط مُنَظَّمَة ومتعدِّدة الأشكال والأدوات؛ تسعى إلى التأثير في الحكومات ومؤسَّساتها التنفيذية، والحكومات المحلية، والمؤسَّسات التشريعية، لفرض أجندات معينة على السياسات العامة، بأساليب الإقناع السياسي”(12). وتسعى جماعات الضغط إلى التأثير في صُنَّاع القرار بالوسائل التقليدية المباشرة (الاتصال الشخصي، الهاتف، الرسائل الخطية، الرسائل الإلكترونية) من خلال تعبئة أعضائها أو المنخرطين في نشاطها للاتصال بصانعي السياسات، أو عن طريق التعاقد مع شركات مختصة في تنظيم حملات الضغط والعلاقات العامة. وغالبًا ما يكون موظفو هذه الشركات من أصحاب الخبرات، ممن سبق لهم العمل في الأجهزة التنفيذية والتشريعية أو في الأحزاب السياسية، أو من أصحاب الخبرات الأخرى من المحامين والإعلاميين والأكاديميين وخبراء العلاقات العامة(13).

2- الدبلوماسية الموازية وأدوات الضغط

عمد الكثير من الدول الصديقة، والمعادية، للولايات المتحدة، إلى توظيف روافد الدبلوماسية التقليدية، أو الدبلوماسية الموازية، للضغط على مراكز صناعة القرار في واشنطن، عبر استمالة وسائل الإعلام والرأي العام وجماعات الضغط. ويعتقد سكوت كوتليب أن احتياجات الحكومات الأجنبية يتم تلبيتها بشكل جيد من قِبَل المهنيين في مجال العلاقات العامة الذين يؤدون على نحو مختلف أدوار المروِّجين، والدعاة، ومجموعات الضغط لصالح الدول الأجنبية(14). ويُقَدِّر ديبورا ليفي أن الدول الأجنبية أنفقت في الثمانينات من القرن العشرين أكثر من 150 مليون دولار سنويًّا على حملات العلاقات العامة في الولايات المتحدة(15). وأفادت وزارة العدل الأميركية، في عام 1992، بأن هونغ كونغ أنفقت ما يقارب 80 مليون دولار على أنشطة العلاقات العامة والاتصال السياسي وحملات الضغط في الولايات المتحدة. كما أنفقت اليابان أكثر من 60 مليون دولار، وكندا 22.7 مليون دولار، والمكسيك 1.5 مليون دولار على حملات العلاقات العامة والضغط من أجل تمرير اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية(16).

وفي تقرير مفصل تحت عنوان “القوى الأجنبية تشتري النفوذ عبر مراكز الأبحاث”، كشفت صحيفة “ذا نيويورك تايمز” أن “أكثر من عشر مجموعات بحثية، أو مراكز أبحاث بارزة في واشنطن، تلقت عشرات الملايين من الدولارات من قِبَل حكومات أجنبية في السنوات الأخيرة، للتأثير على المسؤولين في الإدارة الأميركية، ودفعهم إلى تبني سياسات تعكس في كثير من الأحيان أولويات المانحين”. وبيَّن التقرير أن “هذه الأموال تُحَوِّل، بشكل متزايد، مراكزَ البحث الفكري، إلى أذرع لحكومات أجنبية تُحْشَد للضغط على واشنطن، وهو ما يطرح أسئلة تثير القلق بشأن الحرية الفكرية لهذه المراكز، لاسيما عندما يقول بعض الباحثين والمفكرين إنهم تعرضوا للضغوط للوصول في أبحاثهم إلى استنتاجات تُرضي الحكومة التي تمول أبحاثهم”(17).

وجاء في تقرير الصحيفة أن قائمة المراكز البحثية والفكرية الأميركية، الأكثر تأثيرًا في واشنطن، التي تتلقى دعمًا وتمويلًا من دول أجنبية تضم في مقدمتها: مجلس الأطلسي، ومؤسسة بروكينغز، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومعهد الشرق الأوسط، وصندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، وحوار البلدان الأميركية، ومركز ستيمسون، ومعهد الموارد العالمية(18). ويتلقى كلٌّ منها تمويلًا رئيسيًّا من جهات خارجية، ويتخصص بإعداد ونشر أبحاث للسياسات العامة، واستضافة منتديات وندوات، وتنظيم جلسات إعلامية خاصة لكبار المسؤولين الحكوميين في الولايات المتحدة تتفق عادة مع جداول أعمال الحكومات الأجنبية. وتأتي معظم الأموال التي تتلقاها هذه المراكز من دول في أوروبا، والشرق الأوسط، وأماكن أخرى في آسيا، وأميركا الجنوبية. ويشير التقرير إلى أن الإمارات العربية، مثلًا، تُعدُّ الداعم الرئيسي لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وقد تبرَّعت بأكثر من مليون دولار للمساعدة في بناء المقر الجديد للمركز، الواقع إلى جوار البيت الأبيض(19). وتصدَّرت الإمارات العربية، في العام 2013، قائمة الدول الأكثر إنفاقًا على جماعات الضغط في الولايات المتحدة، فيما احتلت السعودية المرتبة الرابعة، كما أوضح ذلك تقرير مؤسسة “صن لايت” المتخصصة في رصد التأثير الأجنبي على المؤسسات الأميركية(20)، ونقلته بالتحليل صحيفة “واشنطن بوست”(21).

ونشر موقع “هافينغتون بوست”، في العام 2015 قائمة، حصل عليها من سجلات وزارة العدل الأميركية الخاصة بالإفصاح عن الشركات التي عملت لصالح جهات أجنبية خلال العام 2014، وفي مقدمتها: “دلا بايبر”، و”أكين غومب”، و”مجموعة كامستول”، و”كيمب غولدبرغ”، و”هيل آند نولتون”، و”كارف الاتصالات”، “وإديلمان”، و”مجموعة غلوفر بارك”، و”كورفيس”، و”سوريني”، و”سانيتاس”، و”سكوير باتون بوجز”، و”جاست كونسولتينغ”، و”بيلسبري ينثروب شاو بيتمان”، و”لويس باتش”، و”مجموعة فريدلاندر”، و”مجموعة هاربور”، و”بوتوماك بارك”، و”ليفيك للاتصالات الاستراتيجية”، و”ليفانت السويس”، و”بورتلاند بي آر” و”مجموعة غالاغير”(22)، وجميعها حصلت على عقود من الإمارات العربية المتحدة، أو المملكة العربية السعودية، أو قطر، أو البحرين، أو الكويت، ما بين 2011-2014(23). ويورد موقع “al-monitor” تفصيلًا بحملات الضغط التي مَوَّلَتها دول عربية خلال العامين 2014-2015 بهدف التأثير على صانعي القرار في الإدارة الأميركية.

الجدول رقم (1) يبيِّن حجم تمويل دول عربية لحملات الضغط بأميركا وأهدافها خلال 2014-2015(24)