شبح نيكسون يخيم على الولايات المتحدة … هل سيعزل ترامب

في مايو (أيار) عام 1972، اقتحم مجموعة من الملثمين مكتب اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي «DNC» في فندق «watergate»، وقاموا بزراعة أجهزة تنصت أسفل المكاتب وفي سماعات التليفونات وعلى مقابض الأبواب، وفي يونيو (حزيران) من نفس العام، عادت نفس المجموعة لتحوم حول الفندق، ولكن هذه المرة تم القبض عليهم، واتضح أنه من بينهم شخص يدعى «جيمس مكورد».

كان هذا الشخص عميلًا سابقًا لوكالتي التحقيق الفيدرالي «FBI»، ووكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA»، وما جعل من هذه الحادثة أكبر فضيحة في تاريخ السياسة الأمريكية؛ هو أن جيمس مكورد وقتها كان يعمل لحساب اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، التي اتضح فيما بعد أنها نسقت تلك الحادثة أثناء الانتخابات الرئاسية حتى تحول مسار الانتخابات لصالح الرئيس «ريتشارد نيكسون» الذي فاز بأريحية في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام، ولكن لم يستمر نيكسون في المكتب كثيرًا لأنه استقال عام 1973، بعد أن واجهه قرار العزل الرئاسي من الكونجرس، ورغم أن التحقيقات لم تثبت تورط نيكسون بشكل مباشر في هذه الفضيحة، فقد وجهت له تهمة «عرقلة العدالة»، وعلى أثرها عزله الكونجرس الأمريكي.

وفي الانتخابات الرئاسية الماضية لم تسلم اللجنة الوطنية بالحزب الديمقراطي من الاعتداء، ولكن ليس من قبل مجموعة من الرجال الملثمين؛ فالتقدم التكنولوجي والإلكتروني سلاح ذو حدين، ويمكن استخدامه للقرصنة والاعتداء على خصوصية المستخدمين واختراق شبكاتهم، وهذا ما حدث بالفعل، فقد أصدرت وكالة الاستخبارات الأمريكية بيانًا في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016، تُفيد فيه بأن الاعتداء على اللجنة الوطنية بالحزب الديمقراطي قد تم تحت إدارة الحكومة الروسية، وذلك للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية، ويرى البعض أن روسيا فعلت هذا من أجل دونالد ترامب، وذلك طبقًا لحالة الود والمدح التي لم تنقطع بين الرئيس بوتين وترامب.

وإثبات تحقيق الـ CIA أن روسيا هي الجاني في هذه الجريمة؛ كان أول الخيط في التحقيق الكبير الذي بدأه مكتب التحقيق الفيدرالي «FBI» لتقصي حقائق وجود علاقة بين بعض من رجال دونالد ترامب المُقربين، وبين روسيا أثناء الانتخابات للتنسيق بين الحملة الانتخابية لدونالد ترامب وروسيا، من أجل تحويل مسار الانتخابات لصالح ترامب، ومع الوقت تطور هذا التحقيق وبدأت «FBI» إعلان أسماء بعينها مثل «جاريد كوشنر» زوج إيفانكا ترامب، و«مايكل فلين» مستشار ترامب للأمن القومي السابق – وهو الذي يمتلك نصيب الأسد من الاتهامات-، بالإضافة إلى المحامي العام الحالي «جيف سيسيونس»، وهذا ما يجعلنا نقول إن شبح ريتشارد نيكسون قد عاد لأن عزله من الرئاسة بدأ بأن مكتب التحقيق الفيدرالي أصدر مذكرةً رسميةً تُفيد بأن أحد المُقربين من نيكسون متورطٌ في قضية الاعتداء على اللجنة الوطنية بالحزب الديمقراطي، وهو جوردون ليدي المستشار المالي في فريق نيكسون الرئاسي.

أخذت الأزمة الحالية طور التصاعد على مر شهور، وشهدت تطورًا كبيرًا عندما أقال دونالد ترامب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس كومي، والذي عاد مساء أمس ليدلي بشهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ التي تستقصي حقيقة تورط دونالد ترامب وحملته الانتخابية مع روسيا، من أجل التلاعب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ لإخراج النتيجة في صالحه، وكانت هذه الشهادة مثيرةً للجدل على الصعيد السياسي والإعلامي، ليس فقط في أمريكا بل على مستوى العالم، وطبقًا لما قيل على لسان جيمس كومي؛ فإن هناك الكثير من الأسئلة تطرح طبقًا لكلامه، وهي التي سنحاول أن نناقشها في هذا التقرير، وأهمها هو السؤال عن: هل ستتجدد حادثة عزل رئيس أمريكي، كما حدث مع ريتشارد نيكسون، بعد فضيحة ووترجيت؟

هل وضعت شهادة «جيمس كومي» دونالد ترامب في مأزق؟

أثناء الاستماع لشهادته بالأمس، أكد كومي أنه قال للرئيس دونالد ترامب في ثلاث محادثات مختلفة دارت بينهما؛ إن التحقيق الذي يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI» يستهدف مجموعة من المقربين لدونالد ترامب، والذين كانوا على علاقة بروسيا وقت حملة دونالد ترامب الانتخابية، وكان هذا كفيلًا بإبعاد دونالد ترامب عن هذا التحقيق حتى قرر أن يدلو ترامب بدلوه؛ فوضع نفسه في كثير من المشاكل:

المشكلة الأولى: مايكل فلين

مايكل فلين هو مستشار الأمن القومي السابق الذي أجبره دونالد ترامب على الاستقالة، بعد أن أفادت التحقيقات أن مايكل فلين من أبرز المُتهمين من حملة دونالد ترامب الانتخابية بالتعاون مع روسيا في تأثيرها على الانتخابات الرئاسية التي فاز بها ترامب، ولكن تعاونه مع روسيا لم يكن السبب الرئيسي لكي يجبره دونالد ترامب على الاستقالة؛ بل إن مايكل فلين ضلل مايك بنس «نائب الرئيس» في علاقته بسفير روسيا لدى الولايات المتحدة «سيرجي كيسلياك».

وسبب معرفة أن مايكل فلين أصبح أزمة لدونالد ترامب؛ هو تصريح جيمس كومي أمس بأن دونالد ترامب طلب منه بشكل مباشر أن ينهي جميع التحقيقات المُتعلقة بمايكل فلين، وهو طبقًا للقوانين الفيدرالية التي تحكم الولايات المُتحدة ما يعتبر «عرقلة العدالة»، وهي الجريمة التي واجه بسببها كل من بيل كلينتون وريتشارد نيكسون العزل من الكونجرس الأمريكي.